الجاحظ
109
المحاسن والأضداد
واللّه قلبي ، ثم تناول سيفه ومرّ نحو الحي فأبطأ هنيهة ثم أقبل إليّ وعلى عاتقه ليث كأنه حمار فقلت له : ما هذا ؟ قال : صاحبي ، قلت : وكيف علمته ؟ قال : إني قصدت الموضع الذي أصابها فيه وعلمت أنه سيعود إلى ما فضل منها ، فجاء قاصدا إلى ذلك الموضع فعلمت أنه هو فحملت عليه فقلته ، ثم قام فحفر في الأرض فأمعن وأخرج ثوبا جديدا ، وقال : يا أخا بني عامر إذا أنا مت فادرجني معها في هذا الثوب ، ثم ضعنا في هذه الحفرة وهل التراب واكتب هذين البيتين على قبرنا وعليك السلام : كنا على ظهرها والعيش في مهل * والدهر يجمعنا والدار والوطن فخاننا الدهر في تفريق الفتنا * واليوم يجمعنا في بطنها الكفن ثم ألتفت إلى الأسد وقال : ألا أيها الليث المدلّ بنفسه * هبلت لقد جرّت يداك لنا حزنا وغادرتني فردا وقد كنت آلفا * وصيّرت آفاق البلاد لنا سجنا أأصحب دهرا خانني بفراقها * معاذ إلهي أن أكون له خذنا ثم قال : يا أخا بني عامر إذا فرغت من شأننا فصح في أدبار هذه الغنم ، فردها إلى صاحبها ثم قام إلى شجرة فاختنق حتى مات ، فقمت فادرجتهما في ذلك الثوب ووضعتهما في تلك الحفرة وكتبت البيتين على قبر هما ، ورددت الغنم إلى صاحبها ، وسألني القوم فأخبرتهم الخبر ، فخرج جماعة منهم فقالوا : واللّه لننحرن عليه تعظيما له ، فخرجوا واخرجوا مائة ناقة وتسامع الناس فاجتمعوا إلينا فنحرت ثلاثمائة ناقة ثم انصرفنا . وقيل لما كان من أمر عبد الرحمن بن الأشعث الكندي ما كان ، قال الحجاج أطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الاسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما أدخل على الحجاج قال له : من أنت ؟ قال : أنا شهاب بن حرقة ، قال : واللّه لأقتلنك ، قال : ما كان الأمير بالذي يقتلني . قال : ولم ؟ قال : لأن فيّ خصالا يرغب فيهن الأمير . قال : وما هن ؟ قال : ضروب بالصفيحة ، هزوم للكثيرة من الكتيبة ، أحمي الجار وأذب عن الذمار